هي نار دخانها في أفغانستان..ولهيبها في مكان آخر
د. سارة بنت عبدالمحسن
زوار : 894  -   7/2/2007
 
 

تفاعل الكثيرون مع تداعيات الهجوم الأمريكي على أفغانستان وما تناقلته وسائل الإعلام من مناظر القصف ، والسماء التي تمطر قنابلاً ، فتنشر في الأرض الدمار ، وتزهق الأرواح ، وتقطع الأشلاء . وهي صور تستثير من لا مشاعر له ، فكيف بمن امتلأ قلبه بالإيمان ، وتشبعت أحاسيسه بمشاعر الأخوة في الدين ، والولاء للعقيدة ، ولكن .. هل هذا هو كل شيء ؟
الواقع والتداعيات ، تقول أن لا ... فالأمر أبعد من قنبلة تسقط هناك ، وأعمق من قتيل أو جريح .. لا نبالغ إن قلنا بأن القصف الأمريكي مهما بلغ في قسوته وشدته و استعماله للأسلحة المسموحة والمحظورة ، يبقى أقل خطراً مما يجري في الواقـع ، فتلك القنابل والصواريخ مهما بلغت في فتكها وتدميرها لا تتجاوز رقعة المكان الذي تستهدفه ، ومهما بلغ عدد ضحاياها فلن يتجاوز المئات أو الآلاف ، ولكن الخطر الحقيقي الذي لا تحصره التضاريس الجغرافية ، أو الحدود السياسية ، ولا يمكن أن يحدد عدد ضحاياه يكمن في عملية اغتيال الشخصية الإسلامية بأبعادها المختلفة ، وما يترتب عليه، من تدمير للبنية النفسية والفكرية وتحطيم للقيم ، وما يخلفه ذلك في القلب والعقل والوجدان من جراح غائرة يفوق ألمها صوت العقل ، ويغرق نزفها ملامح الوعي ، فتقحم صاحبها في غمار ردود فعل غير واعية ولا مدروسة فيقع في الفتنة ، وينحرف في مساره عن الطريق الصحيح في التعامل مع الأحداث ومجريات الأمور ، في حرب تعددت وسائلها ، وتنوعت آلياتها ، واستخدم الإعلام فيها خير استخدام ، ووظفت القوة الفكرية والمعنوية والتقنية بشكل صحيح فاعل ليتمكن من استغلال الإنسان المسلم واستعماله أداة شديدة الفتك في اغتيال هذه الأمة ، وتسميم فكرها ، وتمزيق جسدها.
ففي الفتن يلتبس الحق بالباطل ، والصواب بالخطأ ، والعقل بالجنون ، والصدق بالكذب ، ويكثر المرجفون ، فيسهل الاختراق ، لأن النفوس والعقول قد أصبحت مهيأة لذلك.
لا أبالغ إن قلت بأننا الآن نمر بمرحلة خطيرة ودقيقة جداً يعاد فيها تشكيل البنية العقلية والتوجهات الفكرية ، والأبعاد النفسية للعالم كله والأمة الإسلامية على وجه الخصوص، وكي لا نقع في شرك الفتنة فيسهل اصطيادنا ، علينا أن نتعامل مع تداعيات الأحداث بهدوء وروية ، ونتجنب ما استطعنا ردود الفعل الانفعالية التي لن تقودنا إلا لمزيد من الشر والسقوط في الفتنة والانشغال بحرب بعضنا البعض تكفيراً ، وثورة ، ورفضاًً للمرجعية الشرعية ، والمرجعية السياسية . وبذا يتحول مسار المعركة ليكون في صالح أعدائنا ، ونساق إلى الساحة التي أرادونا أن نحارب فيها ، وهنا يكمن الخطر الحقيقي ، فهي ساحة تمتد بطول الأمة وعرضها عقيدة وشرعاً ، وفكراً ، وعقلاً ، وروحاً ، وجسداً ، فنكون القاتل والمقتول، الضحية والجلاد ، فنخسر المعركة ، ونقدم النصر لأعدائنا .. ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) (الأنفال : 46) .
إن المطلوب منا في مثل هذه الأوقات العصيبة ، أن نقف صفاً واحداً كما أمرنا الله تعالى (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) ( الصف: 4). نضع أيدينا بأيدي علمائنا ، وقادتنا ، لنشكل جميعاً سداً قوياً متيناً لا يستطيع أعداؤنا اختراقه ، أو تدميره .
وهذا يقتضي منا جميعاً .. أن نتناسى خلافاتنا ، ونتجاوز اختلافاتنا ، ونسقط مصالحنا الشخصية حفاظاً على كياننا ووحدة صفنا ، وسلامة أمتنا ، ولا نكون حرباً على أنفسنا ونحن نظن أننا نحارب عدونا .. فيكون انتصاره علينا لا لقوة فيه ، ولكن لضعف فينا.
  

قبل الختام
لم تكن الأمة في يوم من الأيام بحاجة إلى وحدة المرجعية الشرعية واتفاق العلماء مثل حاجتها اليوم ، فهلا جعلنا هذه الأحداث خطوة جادة في تحقيق مرجعية شرعية تجمع الأمة ولا تفرقها؟!!

 

آخر الكلام ..
 إن المعركة الحقيقية لا تدور رحاها على أرض أفغانستان ، ولكنها أشبه بنار دخانها في أفغانستان ولهيبها في مكان آخر. فلنحذر أن تحرقنا النار ونحن لاهون في مراقبة الدخان والتفاعل معه .

 

 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د.مسفر بن علي القحطاني