مبدأ.. وقيم.. هي الحياة
د. سارة بنت عبدالمحسن
زوار : 2496  -   7/2/2007
 
 

مبدأ .. وقيم .. هي الحياة .
موقف .. واختيار ..هو الإنسان .
ومع ذلك ، فكثيرا ما يتراجع الإنسان عن اتخاذ الموقف ، والالتزام بالمبدأ ، على الرغم من قناعاته التامة ـ أو هكذا يدعي ـ بالقيم التي اختارها برضى ، وآمن بها بعمق .

 فما هو يا ترى سر هذا التراجع ..؟
أهو الخوف من تحمل تبعة الموقف ،  والهرب من مواجهة الواقع ..؟
أم هو العجز عن مواجهة ما بداخل النفس ،  والتراجع أمام الآخرين ..؟
أم هي الانهزامية النفسية ، التي ورثت تبعية الرأي ، و سلبية الموقف وإن خالف حقيقة القناعات ، تهربا من تحمل مسؤولية اتخاذ القرار ..؟
أم هي في حقيقتها كانت مجرد طروحات نظرية ، لا موقع لها في أرض القناعات ..؟

     تساؤلات كثيرة كانت ، و مازالت تدور في ذهني ، وأنا أرى أصحاب القناعات الصحيحة، والمبادئ الرائعة ، والقيم الإسلامية النبيلة ، ينهزمون في مواقفهم العملية ، إرضاء للناس ، أو تجنبا لرد فعل ؛ محققين بذلك التناقض الواضح بين النظرية والتطبيق ـ وهم أولى الناس  بتأصيل المواقف الثابتة في طرح الحق ، والدفاع عنه ، وإن خالف الرأي السائد ـ. 
ملتمسين لأنفسهم الأعذار ، والتبريرات في تنصلهم من تحمل مسؤولية الكلمة ، ومسؤولية الموقف ، مغلبين مصالح وقتية ، أو مخاوف متوهمة ،على إظهار الحق المبين ، والتمسك به ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون . كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) سورة الصف /آية 2ـ3 .
ناسين أو متناسين قول الحق تبارك وتعالى ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد) سورة الزمر /آية 36 .  
         إن المعرفة النظرية للحق ، أو الإذعان له ، لا يكفي ( وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) سورة البقرة /آية 146 . لكن لابد من الإعتزاز به ، ونصرته ، والدعوة إليه ، وتحمل الأذى في سبيله ، ومن أجله ؛ فطريق الحق مفروش بالأشواك ، محفوف بالمكاره ، مليء بالعقبات ، والمعوقات ، المادية والنفسية ، الحقيقية والمفتعلة . وهـذه سنة الله في خلقه ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ، لذا، فقد أكد المصطفى صلى الله عليه وسلم على ( أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) ـ خرجه مسلم ـ .
    ومن هنا كان الصدع بالحق ، والمصارحة بالمبادئ ، و القيم ، كلمة وموقفاً ، تمثيلاً حقيقياً لمدى تأصل جذور العقيدة الصحيحة في نفس المسلم؛ فهو قد أسلم أمره إلى الله توكلاً عليه ، واعتمادا على نصرته ( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) سورة إبراهيم /آية 12ـ ، فمن التزم الحق لا يضره أن يقف في ميدان الصراع وحده ،لأنه إن عاش عاش سعيدا به ، وإن مات  مات شهيداً في سبيله، و الله معه في ذلك كله .
         وما ضاع الحق في هذا الزمن ، إلا لأن كثيرا من أهله صانعوا أهل الباطل ، وهادنوا الفكر السائد ، وإنهزموا أمام الموروثات و التقاليد المنحرفة ، وأستسلموا للعقلية الذرائعية ، التي تعفي من تحمل مسؤولية التقصير ، والإنهزامية ، ومحاولة البحث عن أصولهما ، ومعالجة أسبابهما ؛ فضلاً عن تمثل الولاء للمبدأ ، وللقيم ، و للفكرة . ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) سورة الأنعام /آية 116 ـ  قال صلى الله عليه وسلم :(لا تكونوا إمعة تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، و إن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا) ـ خرجه الترمذي ـ .
       إن هذه العقلية الذرائعية التي أشار إليها الحديث النبوي ، وإن أعفت الإنسان من المسؤولية في القيام بالحق أمام نفسه ، بالمغالطات النفسية ، والحيل اللا شعورية ، في تبرئته من التقصير ، والخطأ ؛ فإنها لا تعفيه من تحمل تبعاتها أمام ربه ( وقفوهم إنهم مسؤولون) سورة الصافات/آية24 ـ في يوم لا عذر فيه ، ولا  حجة  ( هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون )  سورة المرسلات /آية 35 ـ36 ـ.   
     ومسؤولية المسلم ومن منطلق النص القرآني ، و التوجيه النبوي ، لا تقتصر على أفعال الفرد الشخصية ، أو مواقفه الذاتية ، لكنها تتعدى إلى إحساسه بالمسؤولية تجاه الجماعة، والأمة ؛ و دوره الفعال فيها إيجابا ، بالقيام بالحق ، والصدع به ، والدفاع عنه ، والقيام بالتكاليف الشرعية والدينية.
أو سلبا بالإنهزامية أمام الكثرة ، والتخلي خوفا من النتيجة ، والتقوقع داخل شرنقة موقف الآخرين .
      وما قيمة الإنسان ، وحياته ، إن لم يكن له عقيدة يعتنقها، وقيم يؤمن بها  ، و حق يناضل من أجله ؛
                    قف دون رأيك في الحياة مجاهدا
                                             إن الحياة عقيدة وجهادا    
 
ما قيمته إن إستسلم للوهن ، وغرق في الكلالة ، وفقد الهدف الذي يعيش له ،و يناضل في سبيله ، ويبذل نفسه من أجله ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ويتوكل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم )  سورة النحل/آية 76ـ.
    وما ضيع الحق ، وضيعت الأمة إلا يوم سادت العقلية الذرائعية ، والإنهزامية النفسية ، وسكتت الأصوات ، عجزاً ، وتخاذلاً ، وخوفاً ، وهيأت المجتمعات نفسياً ، وفكرياً ، وعملياً ، لتقبل الواقع ، والرضوخ له ، ومورس أضعف الإيمان في الإنكار .
                        سؤال ولكن ألف معنى بطيه
                                             هل العمر في هذي الحياة مخلد ..؟

مع تحية عاتبة إلى الإنسان الذي بهرتني طروحاته النظرية ... وخذلتني مواقفه العملية .

 

 
 تعليقات الزوار
م. عبدالله الدليجان السعودية ممتاز  5/11/2007

فعلاً .. كم كانت كثير من المشاريع النهضوية أسيرة لتقزيم عقول المنهزمين ... إن نشر ثقافة الفأل والاستبشار لهي خطوة مهمة في غربلة مفاهيم اليأس ورميها في سلة المهملات .. كل أطروحة متى مالاقت ضيق أفق ضاقت معه فلم تلق النور .. هذا لايعني الإندفاعية الغير مسؤولة .. وإنما بذل السبب والحيطة والدراسة ثم الإنطلاق لا التقوقع على الذات والأنا ( الأنا الفردية كانت أم المجموعية ) .. والله أسأل أن ينفع بالجميع ويبارك في الجهود ..


1  

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د. مسفر بن علي القحطاني