عولمة الفتوى بين التهديد والترشيد
د. مسفر بن علي القحطاني
زوار : 1189  -   11/10/2010
 
 

صدر الأمر الملكي السعودي في 12 أغسطس الجاري حاسما فوضى الفتاوى العابرة للحدود الشرعية والمكانية، و محددا معايير الإفتاء المعاصر، ومنظما سبل الفتوى و الموقعين عليها حسب تعبير الإمام ابن القيم رحمه الله، وهذا القرار السياسي لم يخرج عن مجالات السيادة التي يضطلع بها الحاكم في تصريف شؤون المجتمع بما يصلحه ويحافظ عليه، من خلال توجيه الجهات المعنية باختيار المؤهلين ، وهم هيئة كبار العلماء ، ومنع المنابر الخطابية لتكون إذاعة للآراء الشاذة والأقوال المرجوحة . وهذا القرار كان أولى أن تبادر به المؤسسات الدينية في العالم كله، ليس بالمنع والتقييد والتخويف بالسلطة ، ولكن بالترشيد السليم لجهات الافتاء ، وتوعية المستفتي بما ينفعه في دينه ويحتاج إليه في دنياه ،دون التشهي والتلهي وتصيد الرخص من الأقوال . والناظر في حال المجتمع السعودي المعاصر يجد أن هناك بيئة خصبة جعلت الفتوى تتبؤ مركزا محوريا في عقل المجتمع ، نظرا لكونه من المجتمعات الدينية المحافظة ، ويزخر بجيش من طلاب العلم الشرعي خريجي الجامعات الإسلامية التي تخولهم إصدار الفتاوى أو نقلها للناس ، صادف ذلك وجود مواجهات فكرية ظهرت بعد تعولم المجتمعات وتفكك الخصوصيات والتعامل مع مستجدات الانفتاح التي اخترقت الأبواب والنوافذ بالجديد من الهويات والثقافات العالمية، كل ذلك و المؤسسات الدينية تتعامل مع تلك الحاجات الملحة والواقع المتغير بالتهوين واللامبالاة ،مما أدى إلى بروز حالة من الفوضى الاجتهادية مارسها غير المتأهل ، و دفعت بالمتأهل للخوض في قضايا مجتمعية بحسمها بالإغلاق والتهديد بالكفر لمن خالفها ؛باعتبارها الحق الذي لا يحيد عنه إلا هالك، استغلتها بالتالي وسائل الإعلام المحلية والعالمية بحثا عن مكاسبها في إثارة الجمهور بالتهويل والمبالغات الماكرة ، والسخرية واللمز بتحويل أخطاء المفتين إلى ثابت ديني وسلوك مجتمعي .
هذه الحالة السعودية لا تختلف كثيرا عن واقع المجتمعات الإسلامية الأخرى ، التي عانت من فوضى عارمة تضرب أصول الدين احيانا وليس فروعه؛ بل ربما يقوم بالإفتاء غير المتأهل بأبجديات العلم ، وأحيانا من المجاهيل المتخفين في الظلام خلف الشبكات العنكبوتية و رسائل المحمول، ليحلل ويحرم ويخالف ما تفقت عليه الأمة ، بالضال والشاذ من الأقوال المخالفة للعقل والشرع الحنيف، وليس ببعيد عنا فتاوى القتل والإبادة لغير المسلمين ، وحتى المخالفين من المسلمين كما في العراق والصومال وباكستان وغيرها، إلى فتاوى التكفير للكتّاب والمفكرين ، وانتهاء بجواز إرضاع الكبير والتقبيل لغير المتزوجين وعدم إفطار المدخنين في نهار رمضان، وغيرها من بلايا الفتاوى و رزايا المسائل والقضايا. لذا نلمس جميعا أن واقع الإفتاء اليوم بحاجة ماسة للتسديد والترشيد ، و ضرورة مأسسة الفتوى العامة بالمؤهلين علما وعدالة ، خصوصا قضايا السلم والحرب ، والمواثيق والمعاهدات، والمصالح العامة وشؤون الأمة وقضاياها المصيرية .
إن هذا القرار الملزم بضبط الفتاوى لا يعني تمحوره حول الشأن السعودي فقط ، بل شموله وتعديه سينعكس على الخارج بالرشد و الاعتدال، كون الكثير من الفقهاء والمفتيين خصوصا في الفضائيات العربية أما سعوديين أو من خريجي الجامعات السعودية ، فالامتثال سيكون إما طاعة ملزمة أو محاكاة معلمة .
ويمكن أن نقارن شيوع الفتوى وتعدد منابرها اليوم و بين ما كان عليه حال الأمة في أول عصورها ، بما يكشف للمتابع عمق الخلل المنهجي في التعامل مع نوازل الناس ، و تجاسر همجي في التصدر لها ، في حين كان سلف الأمة يعدونه خطرا هادما للدين ، يؤكد هذا المعنى إمام دار الهجرة الإمام مالك حيث قال : (( ما شيء أشد عليّ من أن أُسأل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله ، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه ، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا ، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا ، وإن عمر بن الخطاب وعلياً و علقمة ؛ خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون ،ثم حينئذٍ يفتون فيها ،وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا ، فبقدر ذلك يُفتح لهم من العلم ))( ترتيب المدارك 1/197) .
واعتقد أن الفتوى اليوم التي كانت محط نظر فقهاء الصحابة و كبار التابعين وأئمة المذاهب يقلبون فيها الرأي ويجتهدون فيها الأيام ، تستطيع أن تسمعها في برنامج فضائي تخرج من مفتيها على عجل ودون تقصي، لتبلغ الآفاق و تتلقفها الآذان دون تمحيص لحقيقتها أو دراية بمآلاتها أو تنزيل صحيح على واقعها ، لهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهّالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )) .
ويعلل الإمام الشاطبي رحمه الله عِظم هذه الرياسة بقوله :((فالمفتي مخبر عن الله كالنبي ، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سُموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالي : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [)) (الموافقات 5/253) .
لهذا كان من الضروري اليوم ان تبادر جميع المؤسسات الفقهية في جميع العالم بضبط مجالات الإفتاء ، وتحديد المؤهلين القادرين على شروطها ، ومعاقبة المخالفين والتشهير بالمتعالمين ، حماية وحفظا لسياج الدين من الانتهاك . ولعل القرار السعودي أن يشجع بقية الأنظمة العربية والإسلامية أن تمارس نفس الدور التوجيهي بتكليف المعنيين الأكفاء بمهمة الترشيد ،لا أن تستغل هذه الظاهرة بالمنع والتهديد وتكميم الأفواه المخلصة الناصحة لدينهم وأمتهم ،في مقابل فتح الأبواب والأفواه لكل جاهل ان يخوض في احكام الدين و يهرف بما لا يعرف في قضايا المسلمين الملحّة،فالغيرة على الدين لا تخص حال دون آخر أو فئة دون أخرى .

 

 

الإسم    
الدولة  
البريد الإلكتروني       
تقييم الموضوع  
التعليق    
رمز التفعيل


 
 
 

د.مسفر بن علي القحطاني